جميلة … ممشوقة القِوام … مُتديِّنة … تُجيد جميع الأعمال المنزلية … حنونة … طيِّبة … خجولة … مرحة … مُحبة للآخرين … و تُقدِّس الحياة الزوجية … حاصلة على مؤهِّل جامعي … من أُسرة مُحافِظة و ميسورة الحال … في سنِّها الثلاثين … و تقبل الارتباط بأي زوج ولو كان محجوز سلفاً لإحدى النساء … ولا ضير من أن تُقاسم امرأةً أُخرى زوجها … فالتَّعدُّد ليس مُشكلتها ما دام يجلِب الحلّ … و يُفسِح الطّريق أمام النصيب"
كان هذا عرضٌ موجز لأحد طلبات الزواج التي تنأى بحمولتها جلّ الصحف و المجلاّت التي تهتمّ بهذا الموضوع … و تُدرّ أموالاً طائلة على وكالات و مواقع "جمع رأسين في الحلال" التي ابتدعها في زمن الحريات قنّاصو الفُرص لاستثمار هموم و مشاكل الآخرين … هذه المواصفات الواردة في طلبات الزواج ربما كانت ذات معنى أكبر أيام الخاطبات … زمن الجدّات … زمن المجوهرات المصونة و الدُرر المكنونة … زمن ربات البيوت بحق … زمن نعتبره قد ولَّى و أفل نجمُه … و صار زمن التّخلُّف و الرِّجعيّة … أيام النساء الصابرات خلف الجدران الباردة … و الأبواب الموصدة … يبحثن عن الزوج بصمتٍ تام … و ينتظرن نصيبهن … لكنه قد يُصبح نصيبٌ لا نصيب له من الاحترام حين تكون طريقة هذا العرض فجّة و خليعة لاقتناص العريس … فتيات يدّعين خبرة الحياة … و التّسلُّح بالعلم … و يرتدين أبشع الثياب … فحال فتياتنا تبدّل … و أصبحن مجرد قشورٍ بعدما كنّ ألباباً … في ظلِّ ما يُردِّدنه من شعارات تدعو لحرية الفكر الرأي … و الخطب في المؤتمرات و من أعلى المناصب بضرورة المساواة … و هذا كله مجرد وهمٌ كاذب … إذ سرعان ما سيتمّ التَّخلِّي عنه بمجرّد أن ينعق بوم العنوسة على شُرفة إحداهن … حقيقةً لا أفهم لماذا تسجن الفتيات طموحاتهن و تُؤجِّل أحلامهن إلى أن يتحقّق النصيب و يتم الزواج … و الحقيقة أن الحياة أجمل من أن يتم رهنها من أجل شخص قد يجعل الفتاة تكره الحياة … و لماذا اللُّهاث وراء زوجٍ قد يحمل معه كل دواعي الفشل …
مفاهيم العنوسة … و مرور القطار و غيرها … هي مفاهيم كرّسها مجتمعٌ ذكوري مُتسلِّط حتى النُخاع … و تلقّفتها النساء بكل لهفة … ووجود الزوج عند النساء مطلوبٌ في أذهانهن أكثر من الواقع … فالنساء تنشُدن الزوج كما تتهافت الشعوب و الأنظِمة لخلق الزعيم …
صورة مريرة و مُروِّعة وضعت المرأة فيها نفسها … حين رفضت أن تعترف بأن الزواج شيء عادي … فإن حدث فأهلاً … و إن لم يحدث فلن تغيب شمس حياتها … و أن الانتظار و التّرقُّب لن يجلِب سوى التعاسة … لأن الوقوف بالنّفس عند هدفٍ أو أملٍ ربما قد لا يتحقّق لا يُوَّرِثُ إلاّ الكآبة و القلق … خصوصاً في ظل مجتمع ذكوري يمثِّل سلطةً عليا … إذ أن القدر جعل مفتاح الزواج في مجتمعنا بيد الرجل … فبإمكانه أن يلج عالم الزواج …
أو أن يُقفِل الباب عليه إلى الأبد … جاعلاً مفاهيم العنوسة تتكرّس يوماً بعد يوم … و بالتالي مزيداً من دوس الأخلاق … لتكون المرأة بالفعل مشكلةً صنعها الرجل
